فصل: ومن باب في البتة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب في سنة طلاق العبد:

قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب قال: حدثني يحيى بن سعيد، قال: حَدَّثنا علي بن المبارك قال: حدثني يحيى بن كثير أن عمر بن معتب أخبره أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم أعتقها بعد ذلك هل يصلح له أن يخطبها قال نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء فيما أعلم، وفي إسناده مقال، وقد ذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق أن ابن المبارك قال أبو الحسن هذا قال لقد تحمل صخرة عظيمة.
قال الشيخ يريد بذلك إنكار ما جاء به من الحديث ومذهب عامة الفقهاء أن المملوكة إذا كانت تحت مملوك فطلقها تطليقتين أنها لا تحل له إلاّ بعد زوج.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود، قال: حَدَّثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان» قال أبو داود الحديثان جميعا ليس العمل عليهما.
قال الشيخ اختلف العلماء في هذا فقالت طائفة الطلاق بالرجال والعدة بالنساء. روي ذلك عن ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وإذا كانت أمة تحت حر فطلاقها ثلاث وعدتها قرءان وإن كانت حرة تحت عبد فطلاقها اثنتان وعدتها ثلاثة أقراء في قول هؤلاء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري الحرة تعتد ثلاثة أقراء كانت تحت حر أو عبد وطلاقها ثلاث كالعدة، والأمة تعتد قرأين وتطلق بطلقتين سواء كانت تحت حر أو عبد.
قال الشيخ والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت ولكن أهل الحديث ضعفوه ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبدًا.

.ومن باب الطلاق قبل النكاح:

قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حَدَّثنا هشام قال: وحدثنا عبد الله بن الصباح العطار، قال: حَدَّثنا عبد العزيز بن عبد الصمد قالا: حَدَّثنا الوراق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق إلاّ فيما تملك ولا عتق إلاّ فيما تملك، ولا بيع إلاّ فيما تملك، زاد ابن الصباح ولا وفاء نذر فيما لا تملك».
قال الشيخ قوله: «لا طلاق» ومعناه نفي حكم الطلاق المرسل على المرأة قبل أن تملك بعقد النكاح وهو يقتضي نفي وقوعه على العموم سواء كان في امرأة بعينها أو في نساء لا بأعيانهن.
وقد اختلف الناس في هذا فروي عن علي وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أنهم لم يروا طلاقًا إلاّ بعد النكاح، وروي ذلك عن شريح وابن المسيب وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة وعكرمة وقتادة وإليه ذهب الشافعي.
وروي عن ابن مسعود إيقاع الطلاق قبل النكاح وبه قال الزهري وإليه ذهب أصحاب الرأي.
وقال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى إن خص امرأة بعينها أو قال من قبيلة أو بلد بعينه جاز وإن عم فليس بشيء، وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وقال سفيان الثوري نحوًا من ذلك إذا قال إلى سنة أو وقت معلوم.
وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد إن كان نكح لم يؤمر بالفراق وإن لم يكن نكح لم يؤمر بالتزويج، وقد روي نحوًا من هذا عن الأوزاعي.
قال الشيخ وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراه على عمومه إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال والحديث حديث حسن.
وقال أبو عيسى الترمذي سألت محمد بن إسماعيل فقلت أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح فقال حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسئل ابن عباس عن هذا فقرأ قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} [الأحزاب: 49] الآية.
وقوله: «ولا بيع إلاّ فيما تملك» لا أعلم خلافًا أنه لو باع سلعة لا يملكها ثم ملكها أن البيع لا يصح فيها، فكذلك إذا طلق امرأة لم يملكها ثم ملكها وكذلك هذا في النذر وسنذكر الخلاف فيه في موضعه إن شاء الله.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حَدَّثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب بإسناده ومعناه زاد «ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له».
قال الشيخ هذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أراد به اليمين المطلقة من الأيمان فيكون معنى قوله: «لا يمين له» أي لا يبر في يمينه ولكنه يحنث ويكفر كما روي أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه.
والوجه الآخر أن يكون أراد به النذر الذي مخرجه مخرج اليمين كقوله إن فعلت كذا فلله عليّ أن أذبح ولدي فإن هذه يمين باطلة لا يلزم الوفاء بها ولا يلزمه فيها كفارة ولا فدية، وكذلك هذا فيمن نذر أن يذبح ولده على سبيل التبرر والتقرب فالنذر لا ينعقد فيه والوفاء لا يلزم به وليس فيه كفارة والله أعلم.

.ومن باب الطلاق على إغلاق:

قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري أن يعقوب بن إبراهيم حدثهم قال: حدثني أبي، عَن أبي إسحاق عن ثور بن يزيد الحمصي عن محمد بن عبيد الله بن صالح الذي كان يسكن إيلياء عن صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق».
قال الشيخ معنى الإغلاق الإكراه وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم لا يرون طلاق المكره طلاقًا.
وهو قول شريح وعطاء وطاوس وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم. وإليه ذهب مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وكان الشعبي والنخعي والزهري وقتادة يرون طلاق المكره جائزًا.
وإليه ذهب أصحاب الرأي وقالوا في بيع المكره أنه غير جائز.
وقال شريح القيد كره والوعيد كره، وقال أحمد بن حنبل الكره إذا كان القتل أو الضرب الشديد.
وقال أصحاب الشافعي في الكره إنما لا يمضي طلاقه إذا ورى عنه بشيء مثل أن ينوي طلاقًا من وثاق أو نحوه كما يكره على الكفر فيؤدي وهو يعتقد بقلبه الإيمان.

.ومن باب الطلاق على الهزل:

قال أبو داود: حدثنا القعنبي، قال: حَدَّثنا عبد العزيز، يَعني ابن محمد عن عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك، عَن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة».
قال الشيخ اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول كنت لاعبًا أو هازلًا أو لم أنو به طلاقًا أو ما أشبه ذلك من الأمور.
واحتج بعض العلماء في ذلك بقول الله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزوًا} [البقرة: 231] وقال لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول كنت في قولي هازلًا فيكون في ذلك إبطال أحكام الله سبحانه وتعالى وذلك غير جائز فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه ولم يقبل منه أن يدعى خلافه وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له والله أعلم.
واختلفوا في الخطأ والنسيان في الطلاق فقال عطاء وعمرو بن دينار فيمن حلف على أمر لا يفعله بالطلاق ففعله ناسيًا أنه لا يحنث.
وقال الزهري ومكحول وقتادة يحنث وإليه ذهب مالك وأصحاب الرأي وهو قول الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى.
وقال الشافعي يحنث في الحكم وكان أحمد بن حنبل يحنثه في الطلاق ويقف عند إيجاب الحنث في سائر الأيمان إذا كان ناسيًا.

.ومن باب ما عنى به الطلاق والنيات فيه:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، قال: حَدَّثنا سفيان، قال: حَدَّثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
قال الشيخ قوله: «إنما الأعمال بالنيات» معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها إنما يكون بالنية فإن النية هي المصرفة لها إلى جهاتها ولم يرد به أعيان الأعمال لأن أعيانها حاصلة بغير نية ولو كان المراد به أعيانها لكان خلفًا من القول وكلمة إنما مرصدة لإثبات الشيء ونفي ما عداه.
وفي الحديث دليل على أن المطلق إذا طلق بصريح لفظ الطلاق أو ببعض المكاني التي يطلق بها ونوى عددًا من أعداد الطلاق كان ما نواه من العدد واقعا واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، وإلى هذه الجملة ذهب الشافعي. وصرف الألفاظ على مصارف النيات، وقال في الرجل يقول لامرأته أنت طالق ونوى به ثلاثًا إنما تطلق ثلاثًا، وكذلك قال مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد.
وقد روي ذلك عن عروة بن الزبير.
وقال أصحاب الرأي واحدة وهو أحق بها وكذلك قال سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأي في المكاني مثل قوله أنت بائن أو بتة فإنه يسأل عن نيته فإن لم ينو الطلاق لم يقع عليها طلاق وإن نوى الطلاق فهو ما نوى إن أراد واحدة فواحدة وإن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة لأنها كلمة واحدة ولا يقع على اثنتين وإن نوى ثلاثا فهو ثلاث. وإن نوى الطلاق ولم ينو عددًا منه فهي واحدة بائنة، وكذلك كل كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق فهو مثل هذا كقوله حبلك على غاربك أو قد خليت سبيلك ولا ملك لي عليك والحقي بأهلك واستبري واعتدي.
قال الشيخ وهذا كله عند الشافعي سواء فإن كان لم يرد به طلاقًا فليس بطلاق وإن أراد طلاقًا ولم ينو عددًا فهو تطليقة واحدة يملك فيها الرجعة وإن نوى ثنتين فهو ثنتان وإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث وهذا أشبه بمعنى الحديث والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وسليمان بن داود المهري قالا: حَدَّثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمى، قال: سمعت كعب بن مالك فساق قصته في تبوك قال: «حتى إذا مضت أربعون من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل بها، قال لا بل اعتزلها فلا تقربها، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر».
قال الشيخ في هذا دلالة على أنه قال لها الحقي بأهلك ولم يرد به طلاقا فإنه لا يكون طلاقا والكنايات كلها على قياسه. وقال أبو عبيد في قوله الحقي بأهلك هو تطليقة يكون فيها البعل مالكًا للرجعة إلا أن يكون أراد ثلاثًا.

.ومن باب في الخيار:

قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو عَوانة عن الأعمش، عَن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعد ذلك شيئا».
قال الشيخ فيه دلالة على أنهن لو كن اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقًا.
وقد اختلف أهل العلم فيمن يخير امرأته فقال أكثر الفقهاء أمرها بيدها ما لم تقم من محلها فإن قامت ولم تطلق نفسها فقد خرج الأمر من يدها فيما بعد وإلى هذا ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وقد روي ذلك عن شريح ومسروق وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي.
وقال الزهري وقتادة والحسن أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره ولا يبطل خيارها بقيامها من المجلس.
واختلفوا فيه إذا اختارت نفسها فروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا هي واحدة وهي أحق بها وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هي واحدة بائنة وبه قال أصحاب الرأي.
وقال مالك بن أنس إذا اختارت نفسها فهي ثلاث وإن اختارت زوجها يكون واحدة وهو أحق بها وروي ذلك عن الحسن البصري.

.ومن باب في البتة:

قال أبو داود: حدثنا ابن السرح وإبراهيم بن خالد والكلبي وأبو ثور في آخرين قالوا حدثنا محمد بن إدريس الشافعي حدثني عمي محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن «ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال والله ما أردت إلاّ واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلاّ واحدة، فقال ركانة والله ما أردت إلاّ واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلقها الثانية في زمان عمر رضي الله عنه، والثالثة في زمان عثمان رضي الله عنه».
قال أبو داود أول لفظ إبراهيم وآخره لفظ ابن السرح.
قال الشيخ فيه بيان أن طلاق البتة واحدة إذا لم يرد بها أكثر من واحدة وأنها رجعية غير بائن.
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حلفه في الطلاق فدل أن للأيمان مدخلًا في الأنكحة وأحكام الفروج كهو في الأموال.
وفيه أن يمين الحكم إنما تصح إذا كان باستحلاف من الحاكم دون ما كان تبرعًا منها من قبل الحالف.
وفيه أن اليمين باسم النساء كاف على التجريد وإن لم يصلها بالتغليظ مثل أن يقول بالله العظيم أو بالله الذي لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم الطالب الغالب مع سائر ما يقرن به من الألفاظ التي قد جرت به عادة بعض الحكام.
وقد اختلف الناس في البتة فذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أنها واحدة يملك الرجعة فيها، وروي نحوه عن سعيد بن جبير.
وقال عطاء يدين فإن أراد واحدة فهي واحدة وإن أراد ثلاثا فثلاث، وهو قول الشافعي، وقال في البتة أنها ثلاث وروي ذلك عن ابن عمر أيضًا وهو قول ابن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وبه قال مالك وابن أبي ليلى والأوزاعي.
وقال أحمد بن حنبل أخشى أن يكون ثلاثًا ولا أجترئ أفتي به.
وقال أصحاب الرأي هي واحدة بائنة إن لم يكن له نية وإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث.